عن الوظيفية Functionalism في التصميم المعاصر

قد يعتبر مفهوم الوظيفية Functionalism من أهم المفاهيم في عالم التصميم المعاصر لعلاقته الشديدة بمجالات مختلفة مثل تصميم الواجهات Interface Design أو حتى تصميم تجربة المستخدم ككل User Experience Design. يقوم المفهوم على فكرة أن العامل الوظيفي هو ما يحدد ما إذا كان ناتج عملنا تصميمياً أو فنياً. قد لا يعني هذا بالضرورة أن هذا الناتج ليس “فنياً” بالمعنى المتعارف عليه للفن، بل فن من نوع خاص يقوم على الموازنة بين الوظيفية الهندسية البحتة والعنصر الجمالي

يعود مفهوم الوظيفية في جذوره إلى المعماري والكاتب الروماني ڤيرتوڤيوس Virtuvius الذي عرف الخَدَمية أو utilitas (أصل كلمة Utility الإنجليزية) كأحد أركان العمارة الثلاث. أتى بعد ذلك المعماري الأمريكي لويس هنري سوليڤان Luis Henry Sullivan عام 1896 ليعيد المفوم من جديد ويصبح هو أبو الفكر الوظيفي أو Functionalism في العمارةـ انتقل المفهوم بعد ذلك ليشمل كل مجالات التصميم المعاصر تقريباً. 

ما حصل عام  1896 هو نشر لويس لمقال بعنوان The Tall Office Building Artistically Considered والذي يتحدث فيه عن المرافق العامة. المهم هو عبارة استخدمها لويس لتصبح مرجعية لكثير من فناني الحركة المعاصرة Modernism منذ ذلك الوقت: أن الشكل يتبع الوظيفة وأن هذا هو أحد قوانين الطبيعة التي علينا أن لا نخل به تحت أي ظرف من الظروف.

أصول الوظيفية Functionalism

تقديم هذه الفكرة كان أيضاً جوهراً في الأفكار التي أنتجت حركة تصميمية فنية فكرية معمارية تعرف باسم الموضوعية الجديدة ( Neue Sachlichkeit) أو New Objectivism في عشرينيات القرن الماضي والتي كانت تعنى بكل ما هو حقيقي أو واقعي أو عملي أو غير متحيز. استطاعت هذه الحركة التأثير بشكل كبير على الثقافة الأوروبية بعيد الحرب العالمية الأولى كحل منطقي للمشاكل والأزمات الاقتصادية المتعلقة خصوصاً بالسكن والمعيشة.

تجلي هذه الأفكار نتج بمفهوم يعرف بمطبخ فرانكفورت أو Frankfurt Kitchen عام 1926 (تلى ذلك معرض Die Wohnung عام 1927 للمنازل والشقق في شتوتغارت، ألمانيا) الذي صممته المعمارية ماغريت شوته لیهوتسکي Margarete Schütte-Lihotzky لشقق الـ Social Housing (مساكن ذوي الدخل المحدود) والذي مثل قمة الوظيفية في التصميم الذي فرضت قيوده الظروف الاقتصادية حينها. كان مطبخ فرانكفورت علامة فارقة في العمارة المنزلية و فكرة رائدة للمطابخ الحديثة لأنه يقوم على مفهوم يمكّن أداء المهام بفعالية و بناء بتكلفة منخفضة.

نظرة سريعة على مفهوم مطبخ فرانكفورت و ثوريته (متحف التصميم، لندن)

انتقل اسلوب التفكير والتصميم “الوظيفي” هذا ليصبح أساساً لحركة التصميم الوظيفي المعاصر Modern Functionalism الذي يقوم على رفع مستوى الكفاءة لأقصى الحدود الممكنة، ومن الجدير ذكره هنا أن مع العوامل الأخرى المؤثرة في تطور هذه الحركة بشكل متسارع هو تأثرها بما يسمّى بالـتيلورية Taylorism والتي تعود لـ فريدريك تيلور Fredrick Taylor (من 1856-1915). تقوم التيلورية على ممارسة ما يسمى بالإدارة العلمية Scientific Management لرفع معدل كفاءة نظام وعمليات معينة إلى أقصى حد ممكن، كان لها تطبيقات كثيرة خصوصاً في المجال الصناعي.

كان لحركة الوظيفية هذه تأثيراً كبيراً في دول مختلفة أهمها ربما السويد، التي قاد فيها كبار المعمارين والمصممين حركة تصميمية وظيفية كبيرة أثرت في المنازل والمكاتب كانت تسمى Funkis وتعتمد في جوهرها على هذه المعايير الجديدة لتقديم الوظيفة على الجمالية أو البذخ.

ماذا عن تصميم الواجهات الرقمية؟

تسللت الوظيفية في مجال العمل الرقمي المعاصر لتصبح ربما جوهره. نسمع كثيراً عن أهمية الوظيفية Functionalism على الشكل في مواقع الويب والتطبيقات المختلفة. أصبح تمثيل الوظيفة من أهم مهارات المصمم المعاصر دون شك.

من الجيد النظر إلى التصميم في كثير من الأحيان على أنه “حل لمشكلة” بالدرجة الأولى ويتم القياس بناء على ذلك. التصميم ليس فنّاً وبالتالي العامل “الإبداعي” هنا ليس على تلك الدرجة من الأهمية كما في الفن. لا أنفيه هنا لكن هناك حاجة للتفكير من وجهة نظر مختلفة.

أحد أفضل الأمثلة على ذلك ربما هو الهلع الذي حصل مؤخراً في هاواي في الولايات المتحدة نتيجة إرسال أحد الموظفين بالخطأ لرسالة تحذير حقيقية لإطلاق صاروخ باتجاه الولاية بدلاً من اختبار الوظيفة فقط. تبين لاحقاً أن التصميم السيء أحد أسباب خطأ الموظف كون الواجهة التي استخدمها تستخدم تعابير مربكة غير واضحة (فرق كلمة واحدة بين التحذير الحقيقي والاختبار) ولا تغفر أي خطأ من قبل المستخدم (وهذا أمر تقوم فرق التصميم عادة بدراسته عبر مفهوم يسمى Forgivness)

الواجهة التي أخطا الموظف و ضغط عبرها على الرابط الخطأ (من حساب civilbeat@ للصحافة الاستقصائية في هونولولو، الولايات المتحدة على تويتر)

التصميم هنا كان سيئاً لأنه سبب في خطأ فادح ولم يساعد أبداً على أداء الوظيفة المطلوبة من المستخدم بشكل جيد. من المهم هنا التركيز على فكرة أن الحل ليس في جعل هذا التصميم “أجمل” بل عبر دراسة جيدة للمحتوى وتقديم الخيارات بشكل يخفف الوقوع في الخطأ، كما قام أحد المصممين (بشكل سريع وارتجالي ربما) على تويتر فقط عبر التفرقة بين ما هو تحذيري وما هو حقيقي. أخطاء مثل هذه كثيرة الحدوث. الوظيفية Functionalism هنا أهم بكثير من الجمالية، مع أنها تحولت بحد ذاتها لعنصر جمالي مرتبط بالـ Minimalism أو البساطة.

من حساب المصمم لوقا ميلان على تويتر (iamlucamilan@)

من المعايير الجيدة للحكم على أي تصميم هو الاعتماد على مايسمى بهرم احتياجات التصميم. والذي يرتب متطلبات الحكم على التصميم بداية من الوظيفة Functionality ثم الاعتمادية Reliability ثم Usability قابلية الاستخدام ثم البراعة في تقديم الوظيفة Proficiency ثم القيمة الإبداعية Creativity. يمكن التوسع أكثر حول الموضوع من هذا المقال.

شاركنا بتعليقك