عن عدم واقعية اتباع خطوات واضحة لإنتاج تصاميم مثالية و ما يمكن القيام به حيال ذلك

لـروهان بوري Rohan Puri الباحث السابق في معهد MIT Media Lab و مؤسس شركة Stable للبنية التحتية للسيارات الكهربائية محاضرة قديمة نوعاً ما لكنها مميزة جداً حول تصميم واجهات المستخدم و المبالغات التي قد يقع فيها المصممون و خبراء المنتجات أحياناً عند التفكير بهذه الأمور دون أخذ سياق التصميم بعين الاعتبار. كانت المحاضرة جزء من سلسلة يقدمها مختبر هارفارد للابتكار Harvad Innovation Labs أو i-lab.

فيما يلي تلخيص لأهم الأفكار و الأمثلة التي ذكرها روهان و التي تعتبر برأينا جوهرية عند التفكير بتجربة المستخدم و ما الذي يعنيه أن نكون مصممين ناجحين في بيئات عمل ناشئة أو ضخمة مليئة بالتعقيدات و الحالات الخاصة. يتفاجئ كثير من المصممين بأن تطبيق الأفكار التي تعلموها ليس بهذه البساطة و هذا يحتاج لعقلية مرنة و أسلوب تفكير مختلف.

يبدأ روهان حديثه بفكرة مفادها أن هناك القليل من المعايير التي تجعلنا نحكم على تصميم ما و نقول بأنه تصميم جيد أو ناجح بشكل دائم متناسق. بمعنى أن وجود تلك الوصفة السحرية لتصميم خدمة أو تطبيق أو موقع مثالي غير منطقي و هو مرتبط بالحالة التي تجد الشركة أو الخدمة نفسها فيها و علاقتها مع مستخدميها. جميع هذه النصائح آتية من تجارب شخصية و من المهم أن نفكر دائماً بالتجربة الشخصية و بيئة العمل التي ننتمي لها.

أن نقول أن الجمال يأتي بعد الوظيفة فهو من الأمور التي قد لا يختلف عليها كثيرون هذه الأيام. لكن، يميل المصممون لتفضيل جمال الواجهات على وظيفتها أو حتى مستوى تقبل الناس لها مقارنة بنسخة سابقة أو بشيء أكثر عملية لكن ليس بنفس الجمال. هناك الكثير من الأمثلة حول الموضوع لكن لموقع Digg أفضل قصة. هذا الموقع الأشبه بالمنتدى و الذي كان له شعبية كبيراً جداً قبل ظهور منتدياً أخرى مثل Reddit قام بعملية إعادة تصميم (كان اسمها Digg 3 أو النسخة الثالثة) أدت إلى نفور شديد من المستخدمين لدرجة أنه كان أحد أسباب أفول نجم الموقع الرئيسية و بزوغ Reddit. تغيير التصميم الذي كان “أجمل” بالمبدأ لم يؤدي لنفس النتيجة ( مع أنه كان من روح تلك الحقبة و يقوم على مبادئ التشبيك الاجتماعي التي كانت دارجة جداً مع بزوغ نجم تويتر و فيسبوك). الحقيقة هنا أن تقبل التغيير هو واحد من أصعب الأمور على المستخدمين.

Digg قبل إعادة التصميم
Digg قبل إعادة التصميم
Digg بعد إعادة التصميم (2010)
Digg بعد إعادة التصميم (2010)

كيف يمكن للمصممين أن يتغلبوا على هذا؟

المثال الذي ذكره بروي جميل جداً و يتحدث عن قصة تصميم ebay الذي بقي على حاله بتصميم كلاسيكي “ممل” نوعاً ما لفترة طويلة، خصوصاً تلك الخلفية الصفراء التي كانت مستخدمة. قامت الشركة بتغيير الأصفر إلى الأبيض مستلهمة من جوجل الذي كان جديداً تلك الفترة و جميع المستخدمين مفتونين به! لم ينجح الموضوع و لم يتقبل المستخدمون هذا التغيير.

تتطلب التخلص من لون الخلفية الأصفر إعادة تصميم غير تقليدية من ebay
تتطلب التخلص من لون الخلفية الأصفر إعادة تصميم غير تقليدية من ebay

ما الذي قامت به Ebay؟

التغيير كان ذكي جداً و يلعب على وتر اللاوعي عند المستخدمين و أهمية التصميم المألوف، يكره المستخدمون التغيير عموماً. أعادت الشركة اللون الأصفر و قامت بتطبيق خوارزمية تغير اللون بشكل بسيط جداً كل يوم من الأصفر إلى الأبيض على مدى عام كامل. تقبل الجميع التغيير لأنه كان تدريجياً و غير مرئي.

من الأمور المهمة أيضاً هو التركيز على عدم جعل المستخدمين يشعرون بالـ “غباء” عند استخدام أي تصميم أو نظام. مثال بروي هنا كان تصميم علب الملح والفلفل الانسيابي الجميل نظرياً لكنه معدني غير شفاف. السؤال هنا كيف نعرف ما هي علبة الملح و ما هي علبة الفلفل؟ لو كانت شفافة كان الأمر أسهل بكثير و لن يكون اختيار العلبة الصحيحة لأول مرة ضربة حظ تشعر المستخدم بالغباء و السخط. التصميم “كووول” لكن استخدامه غير عملي.

ما حل عدم وجود تلك الطرق التي يمكن اتباعها للوصول لتجربة مستخدم مثالية؟

يرى بروي أن الخطوات العامة المثالية لاكتشاف تلك الميزات الخاصة بكل مشروع هي اتباع خطوات بسيطة تسمح بالوصول لقواعد و نتائج خاصة بكل منتج.
هذه الخطوات هي:
أ- تضييق نطاق الفكرة لأكبر قدر ممكن
ب- بنائها
ج- اختبارها و الحصول على بيانات عن طبيعة استخدامها
د- تبسيط الواجهة للقيام بالمهمة المطلوبة

تضييق النطاق: يقوم تضييق النطاق على مجموعة من الأفكار التي يمكن أن ننظر لها كخطوات أو كتتابع أفكار. (ينطبق هذا حقيقة على الشركات الناشئة و ما تقدم أو كفريق عمل يطور مشروع أو فكرة ما)

  • نحاول تحديد أضيق نطاق ممكن من المستخدمين المستهدفين (تحديداً المستخدمين الأوائل first- adopters)
  • سيؤدي هذا لتسريع عملية التطوير بالتركيز على الضروري فقط و احتياجات هذا المستخدم المثالي. ( كأن نقول تستهدف هذه الخدمة الأمهات ربات البيوت ما بين 30 – 50 سنة الذين يعيشون في هذه المدينة أو تلك)
  • سيؤدي هذا طبعاً لعمليات اختبار Testing ناجحة و واضحة الأهداف.
  • تأمين احصائيات استخدام مفيدة لفريق التسويق لدراسة الطرق و الاستراتيجيات الأمثل لاستقطاب مستخدمين جدد
  • التفكير بتقليل المصاريف قدر الإمكان

بدأ أمازون ببيع الكتب الجديدة تحديداً (لم يقدم كتباً مستعملة حتى) و ظل على ذلك لفترة طويلة إلى أن بدأ التوسع إلى الشركة الضخمة التي هي الآن. غوغل بدأ بالبحث والبحث فقط. تويتر بدأ فقط كخدمة مرتبطة برسائل الجوال القصيرة SMS قبل أن يتحول لهذه الشبكة الاجتماعية الضخمة. ركز على الهدف الرئيسي الأول.

كيف نحدد هذا الهدف الضيق مما نعمل عليه؟

يقدم بروي قالباً جيداً جداً لذلك و قد يكون مألوفاً لكثيرين. الفكرة الجديدة عند بروي هي ضرورة دقة الوصف.

نموذج أولي بسيط لوصف فكرة أو منتج

ما معنى هذا القالب؟ لنبدأ بـ “أ” و “ب” علينا أن نصف ما نقوم به بأسلوب واضح يقارن ربما بخدمات أخرى موجودة لكي تصل الفكرة بوضوح. لا داعي للخجل من القول بأن تطبيقنا يشبه أوبر أو غيره لأن ذلك يوفر الكثير من الوقت على المستثمر، المطور، المصمم، وكل من نتعامل معه.

الآن بالنسبة إلى “ج” فمن المهم أن نكون دقيقين جداً في وصف من سنستهدف لكي نستطيع أن نجد طريقة نتكلم معهم، نفهم مشاكلهم بالضبط و ربما نختبر التصاميم و الميزات معهم. أما “د” هو الوصف الدقيق أيضاً لما يمكن أن تستخدم هذه الفكرة أو التصميم من أجله.

المثال هنا هو شركة “دروب كام dropcam” (استحوذت عليها غوغل) لخدمات كاميرات المراقبة و الإدارة السحابية للبيانات. كانت الشريحة المستهدفة للشركة العائلات و المؤسسات الصغيرة. لكن في بداياتها اختارت دروب كام المؤسسات الصغيرة أولاً لحاجة جميع هذه الشركات لخدمات المراقبة أكثر من أي شريحة مستهدفة أخرى.

بناء على ذلك، من الممكن أن تصبح عبارتنا.

دروب كام هي خدمة مراقبة سحابية تسمح لأصحاب المؤسسات الصغيرة بمراقبة مكان العمل و الاحتفاظ بالتسجيلات سحابياً.

الشخصيات Personas

الشخصيات هي تقريب لشريحة من المستخدمين و التعبير عنها وفق شخص واحد. من المهم أن لا نفكر بهذه الشخصيات زيادة عن اللزوم وفق بوري. تفيد هذه الشخصيات بأنها تساعد أثناء النقاش و التصميم و الحديث عن الخدمة بأن نربط بينها و بين المستخدمين ( أو مجموعة منهم) و التعبير عن ذلك باسم. كأن نقول هل يمكن أن يهتم “زيد” بأن يقوم البرنامج بهذا أو ذاك؟ في الجوهر “زيد” هو تمثيل لشريحة من المستخدمين تمثل طلاب الجامعات (18-22) الذين يدرسون الهندسة. من الممكن أن نخصص ذلك أكثر و نقول “زيد” هو تمثل لطلاب الجامعات العرب في لندن و الذين يدرسون الهندسة.

هناك الكثير من الطرائق و الأساليب التي تسمح لنا بدراسة بيانات معينة و استنتاج شخصيات بناء عليها (يمكن الاطلاع عليها أكثر من هذا الرابط و سنخصص مقالات في المستقبل لأفضل طرق إنتاج شخصيات. من المهم في نفس الوقت أن نؤكد على أن لا تتحول الشخصيات لعنصر مربك لعملية التصميم أو التطوير و أن ندخل في تفاصيل غير مفيدة فيها ضمن سياق عملنا)

بعد ذلك: ما هي القصة؟

بعد تطوير هذه الشخصيات من الأمور الجيدة هو التفكير بما يسمى بالـ Storyboard أو الطريقة التي سينتقل فيها المستخدم من النقطة “أ” إلى النقطة “ب” بأسرع طريقة ممكنة. رؤية بوري هنا هي الحاجة للتوقف عند أكثر ستوريبورد نجاحاً في جعل العملية قصيرة و مباشرة دون أي تفاصيل أو تعقيدات. من المهم الانتقال إلى المرحلة التالية و بناء هذه الفكرة.

كل ذلك “التسريع” إن صح التعبير يهدف للوصول لمرحلة يمكن عبرها اختبار هذه الفكرة مع مستخدمين حقيقيين عبر استخدام أدوات إحصائية مختلفة مثل Google Analytics أو Heap أو غيرها. في كثير من الحالات، سنجد أن رد فعل المستخدمين على الكثير من الأفكار مختلف تماماً عما نتوقع و الفكرة في التصميم المثالي و المنتج المثالي تكمن هنا.

ردة فعلنا على كل ما سبق هو أن نصل لمرحلة نبسط بها الطريقة التي نقدم بها حلاً لمشكلة معينة بأفضل طريقة ممكن عبر دورة من الـ Iterations أو دورات التعديلات. يدل حدس المصمم أو مدير المنتجات الناجح بعد كل عملية اختبار على الانتباه لما يسمى بـ Activity Pathways أو مسار نشاطات المستخدم وفقاً لما يتم اختباره. ما هي المسارات Pathways التي اتبعها المستخدم للوصول إلى الهدف المرغوب و ما مدى ملائمته لأهداف العمل؟ و في حال عدم الملائمة، ما هي الطريقة الأمثل التي يمكن عبرها تعديل هذا النشاط دون التفريط بتجربة الاستخدام عموماً؟

ما الخلاصة هنا؟

الفكرة الرئيسية و المهمة برأينا هي رؤية بروي بأن المهم في عملية التطوير و العمل على أي منتج رقمي هو الوصول لطريقة يمكن عبرها اختبار الأفكار التي نعمل عليها بأسرع وقت ممكن. يعني هذا وضع مجموعة من القيود على عمليات التخطيط، التصميم، التطوير و الانتباه لجعل دمج خدمات الإحصائيات المختلفة عملية رئيسية في تطوير المنتج. غالباً ما تتقاطع المهام بين المصممين و مدراء المنتجات و من المهم أن نكون على دراية بهذه التداخلات. لا يوجد أي خطوات موحدة تسمح بإنتاج تصاميم مثالية، كلها حالات خاصة تقوم على الفهم الشمولي للفكرة و مجال العمل و المستخدمين المستهدفين. عدم واقعية اتباع خطوات واضحة لإنتاج تصاميم مثالية و ما يمكن القيام به حيال ذلك

يمكن مشاهدة المحاضرة كاملة من هنا أيضاً.

كان هذا تلخيصاً لأهم الأفكار خلال هذه المحاضرة، نأمل أنه كان مفيداً للجميع.

تعليقان

شاركنا بتعليقك